أحمد زكي صفوت

121

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

عاتبه على ذلك قوم من خاصّته ، وتشاءموا بذلك منه ، وخافوا عاقبته ، فقال : « واللّه ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرّا وأكثر منه ، لكني رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره ، اشرأبّوا « 1 » واحمرّت ألوانهم ، وطالت رقابهم ، واللّه ما كنت لآتى لهم سرورا وأنا أقدر عليه ، واللّه لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ، ثم أضرمها عليهم نارا ، فإني لا أقتل منهم إلا آثما كفّارا سحّارا ، لا أنماهم اللّه ، ولا بارك عليهم ! بيت سوء لا أول لهم ولا آخر ، واللّه ما ترك نبي اللّه فيهم خيرا ، استفرغ « 2 » نبىّ اللّه صدقهم ، فهم أكذب الناس ، فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقّاص فقال : « وفّقك اللّه يا أمير المؤمنين ! أنا أول من أعانك في أمرهم » . فقام عبد اللّه بن صفوان بن أميّة الجمحىّ فقال : واللّه ما قلت صوابا ، ولا هممت برشد ، أرهط رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله تعيب ، وإياهم تقتل ، والعرب حولك ؟ واللّه لو قتلت عدّتهم أهل بيت من الترك مسلمين ، ما سوّغه اللّه لك ، واللّه لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم اللّه بنصره ، فقال : اجلس أبا صفوان فلست بناموس « 3 » ، فبلغ الخبر عبد اللّه بن العباس ، فخرج مغضبا ومعه ابنه ، حتى أتى المسجد ، فقصد قصد المنبر . فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، ثم قال : « أيها الناس : إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ولا آخر ! فيا عجبا كلّ العجب ، لافترائه وتكذّبه « 4 » ! واللّه إن أول من أخذ الإيلاف « 5 »

--> ( 1 ) اشرأب إليه : مد عنقه لينظر أو ارتفع . ( 2 ) في الأصل « استفزع » وهو تحريف . يقال استفرغ فلان مجهوده : إذا لم يبق من جهده وطاقته شيئا ، والمراد أنه حوى ما فيهم من صدق فلم يبق لهم منه شيء ، فهم أكذب الناس ( كذا ! ) . ( 3 ) الناموس : الحاذق ، وهو أيضا صاحب السر المطلع على باطن أمرك . ( 4 ) تكذب : تكلف الكذب . ( 5 ) روى أبو علي القالى في أماليه قال : « كانت قريش تجارا ، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة ، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع ، فيشترونها منهم ، ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب ، فكانوا -